أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

34

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

والثالث : أنه معترض بين « تَصْدِيقَ » وبين « مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ » . قال الزمخشري : « فإن » قلت : بم اتصل قوله : « لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ » ؟ قلت : هو داخل في حيز الاستدراك كأنه قيل : ولكن كان تصديقا « وتفصيلا منتفيا عنه الريب كائنا من رب العالمين ، ويجوز أن يراد ولكن كان تصديقا » من رب العالمين وتفصيلا منه لا ريب في ذلك ، فيكون « مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ » متعلقا ب « تَصْدِيقَ » و « تَفْصِيلَ » ، ويكون « لا رَيْبَ فِيهِ » اعتراضا كما تقول : « زيد لا شكّ فيه كريم » . قوله : مِنْ رَبِّ يجوز فيه أوجه : أحدها : أن يكون متعلقا ب « تَصْدِيقَ » أو ب « تَفْصِيلَ » وتكون المسألة من باب التنازع أو يصح أن يتعلق بكل من العاملين من جهة المعنى ، وهذا هو الذي أراد الزمخشري بقوله : فيكون « مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ » متعلقا ب « تَصْدِيقَ و تَفْصِيلَ » . يعني : أنه متعلق بكل منهما من حيث المعنى ، وأما من حيث الإعراب فلا يتعلق إلا بأحدهما ، وأما الآخر فيعمل في ضميره كما تقدم تحريره غير مرة ، والإعمال هنا حينئذ إنما هو للثاني بدليل الحذف من الأول . والوجه الثاني : أن « مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ » حال ثانية . والثالث : أنه متعلق بذلك الفعل المقدّر ، أي : أنزل للتصديق من رب العالمين . قوله : أَمْ يَقُولُونَ . في « أَمْ » هذه وجهان : أحدهما : أنها منقطعة فتقدر ب « بل والهمزة » عند الجمهور « 1 » وسيبويه وأتباعه والتقدير : بل يقولون ، انتقل عن الكلام الأول وأخذ في إنكار قول آخر . والثاني : أنها متصلة ولا بد حينئذ من حذف جملة ليصح التعادل والتقدير : أتقرون به أم تقولون افتراه . وقال بعضهم : « أَمْ » هذه بمنزلة الهمزة فقط وعبّر بعضهم عن ذلك فقال : الميم زائدة على الهمزة ، وهذا قول ساقط ، إذ زيادة الميم قليلة جدا لا سيما هنا ، وزعم أبو عبيدة : « أنها بمعنى الواو والتقدير : ويقولون : افتراه » . قوله : قُلْ فَأْتُوا جواب شرط مقدر ، قال الزمخشري : « قل إن كان الأمر كما تزعمون فأتوا أنتم على وجه الافتراء بسورة مثله » فأنتم مثلي في العربية والفصاحة ، والأبلغية . وقرأ عمرو بن فائد « بِسُورَةٍ مِثْلِهِ » بإضافة « سورة » إلى « مِثْلِهِ » على حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه ، والتقدير : بسورة كتاب مثله أو بسورة كلام مثله ، ويجوز أن يكون التقدير : فأتوا بسورة بشر مثله ، فالضمير يجوز أن يعود في هذه القراءة على القرآن ، وأن يعود على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأما في قراءة العامة فالضمير للقرآن فقط . قوله : وَلَمَّا يَأْتِهِمْ . جملة حالية من الموصول أي : سارعوا إلى تكذيبه حال عدم إتيان التأويل . قال الزمخشري : « فإن » قلت : ما معنى التوقع في قوله تعالى : وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ؟ قلت : معناه أنهم كذبوا على البديهة قبل التدبر ومعرفة التأويل . ثم قال أيضا : « ويجوز أن يكون المعنى ولم يأتهم بعد تأويل ما فيه من الإخبار بالغيوب أي : عاقبته ، حتى يتبين لهم أكذب هو أم صدق » . انتهى . وفي وضعه « لَمْ » موضع « لَمَّا » نظر ، لما عرفت ما بينهما من الفرق ، ونفيت جملة

--> ( 1 ) أنظر الكتاب ( 3 / 172 ) وما بعدها .